ابن الجوزي

214

زاد المسير في علم التفسير

ليعبدني . وقال الضحاك . والفراء . وابن قتيبة : هذا خاص لأهل طاعته ، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى فإنه قال : معنى هذا الخصوص لا العموم ، لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس ، فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) ، فمن خلق للشقاء ولجهنم ، لم يخلق للعبادة . والرابع : إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة : الذل والانقياد . وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل ، يملك خروجا عما قضاه الله عز وجل ، هذا مذهب جماعة من أهل المعاني . قوله تعالى : ( ما أريد منهم من رزق ) أي : ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ( وما أريد أن يطعمون ) أي أن يطعموا أحدا من خلقي ، لأني أنا الرزاق . وإنما أسند الإطعام إلى نفسه ، لأن الخلق عيال الله ، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه . وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله عز وجل يوم القيامة . يا ابن آدم : استطعمتك فلم تطعمني " ، أي : لم تطعم عبدي . فأما ( الرزاق ) فقرأ الضحاك ، وابن محيصن : " الرازق " بوزن " العالم " . قال الخطابي : هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها . ( والمتين ) الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة . وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ : " المتين " بكسر النون . وكذا قرأ أبو رزين ، وقتادة ، وأبو العالية ، والأعمش . قال الزجاج : ( ذو القوة المتين ) أي : ذو الاقتدار الشديد ، ومن رفع " المتين " فهو صفة الله عز وجل ، ومن خفضه جعله صفة للقوة ، لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة ، فهو كقوله : ( فمن جاءه موعظة من ربه ) . قوله تعالى : ( فإن للذين ظلموا ) يعني مشركي مكة ( ذنوبا ) أي : نصيبا من العذاب ( مثل ذنوب أصحابهم ) الذين أهلكوا ، كقوم نوح وعاد وثمود . قال الفراء : الذنوب في كلام العرب : الدلو العظيمة ، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ ، قال الشاعر : لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب والذنوب ، يذكر ويؤنث . وقال ابن قتيبة ، أصل الذنوب : الدلو العظيمة ، وكانوا يستقون ، فيكون لكل واحد ذنوب ، فجعل " الذنوب " مكان " الحظ والنصيب " . قوله تعالى : ( فلا يستعجلون ) أي : بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة ، وهو يومهم الذي يوعدون ، ويقال : هو يوم بدر .